
بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
حين تُختبر سيادة السودان
التأشيرة ليست هي القضية
فالتأشيرة إجراء أما السيادة فمبدأ.
والفرق بين الاثنين أن الإجراء يمكن أن يُناقش أما المبدأ فلا ينبغي أن يكون محل مساومة.
ولهذا فإن ما جرى بشأن تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مسألة سفر ولا أن يُختزل في خلاف حول شخص أو مناسبة.
القضية هي السودان.
السودان بوصفه دولة كاملة السيادة.
في السياسة لا تُختبر سيادة الدول فقط في القضايا الكبرى التي تتصدر البيانات والقمم فقد تختبئ لحظة الاختبار الحقيقية في تفصيل يبدو صغيرًا لكنه يكشف ما هو أكبر منه.
وقضية التأشيرة واحدة من تلك التفاصيل.
فالتأشيرة في حد ذاتها ليست ما ينبغي أن يبقى من هذه الواقعة بعد أن ينتهي الجدل حولها.
القضية الحقيقية هي القرار السوداني من يملكه ومن يحدد حدوده وإلى أي مدى يستطيع السودان أن يحميه عندما تتقاطع إرادته مع إرادات أخرى.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الموقف السوداني.
فالسودان أظهر في واحدة من أكثر اللحظات حساسية أنه يعرف معنى سيادته ويعرف أين يبدأ التفاوض وأين ينتهي وأن قراره الوطني ليس مساحة مفتوحة لإرادة الآخرين.
فالسودان يعرف أن قبول المبادرات لا يعني قبول شروطها وأن الانفتاح على التفاوض لا يعني تسليم القرار وأن التعامل مع الضغوط لا يستوجب التخلي عن الموقف الذي تراه الدولة منسجمًا مع مصالحها.
القوة هنا ليست في الصدام ولا في رفع الصوت وإنما في القدرة على حماية القرار دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة ودون أن يتحول الضغط إلى وصاية.
ولهذا فإن قضية التأشيرة تجاوزت حدود الإجراء الدبلوماسي لتصبح اختبارًا لحدود النفوذ الخارجي على القرار السوداني وللمساحة التي يحتفظ بها السودان لنفسه حين تتعدد الضغوط وتتداخل المصالح.
فالدولة التي تعرف قيمة قرارها لا تحتاج إلى الصدام في كل اختلاف ولا إلى رفع الصوت في كل مواجهة. يكفي أن تستمع إلى ما يُطرح عليها وأن تزن ما يُعرض وأن تفاوض حين ترى في التفاوض مصلحة دون أن تمنح أحدًا حق أن يقرر عنها.
وهنا تتجلى السيادة في صورتها الأكثر وضوحًا:
أن يكون للسودان موقف وأن يعرف كلفته ثم يحافظ على حقه في اختياره.
وقد يختلف الآخرون مع السودان وقد تُمارس عليه ضغوط وقد تُطرح أمامه مبادرات ومواقف وشروط.
لكن كل ذلك لا يغيّر حقيقة واحدة:
أن القرار الذي يتعلق بالسودان لا يمكن أن يُصاغ إلا بمشاركة السودان ولا يمكن أن يصبح شأنًا يُدار نيابة عنه.
وهنا يظهر الفارق الذي ينبغي ألا يضيع:
أن تؤثر في القرار السوداني شيء وأن تملك القرار السوداني شيء آخر.
والسودان في هذه الواقعة أظهر أنه يميز بين الأمرين.
فهو يعرف كيف يتعامل مع موازين القوى دون أن يجعلها تحدد له خياراته وكيف يحافظ على علاقاته دون أن يجعل أي علاقة خارجية تفويضًا مفتوحًا في شأنه الوطني.
وهذا المعنى ليس وليد هذه اللحظة.
فالسودان لم يكن يومًا مجرد مساحة جغرافية على هامش المنطقة. موقعه وامتداده وتاريخه وتشابك علاقاته جعلته حاضرًا في حسابات الإقليم والعالم.
تعاقبت على السودان حكومات، وتبدلت سياسات وتحالفات، وتغيرت علاقاته بالقوى الإقليمية والدولية.
لكن استقلال القرار الوطني لا ينبغي أن يكون رهينًا بالأشخاص ولا خاضعًا للظروف.
ومن هنا، فإن ما جرى لا يُقرأ باعتباره حادثة منفصلة، بل باعتباره لحظة كشفت معنى أعمق
أن السودان يستطيع أن يتعامل مع محيطه، ويفتح أبواب التفاوض، ويمد جسور العلاقات، دون أن يجعل من انفتاحه على الخارج مدخلًا للتدخل في شأنه الوطني.
فالسودان لا يحتاج إلى الصدام كي يؤكد حضوره، ولا إلى الشعارات كي يثبت استقلاله. فالدولة تعرف مكانتها حين تعرف حدود ما تقبله، وحدود ما لا تقبله.
وقد تنتهي قصة التأشيرة، لكن ما كشفته لن ينتهي بانتهائها.
لأن القضية في جوهرها ليست تأشيرة تُمنح أو تُحجب وإنما قرارٌ وطني يُحترم أو يُمارس عليه الضغط.
وفي اللحظة التي يصبح فيها القرار الوطني موضع اختبار، لا يعود السؤال:
من يملك أدوات الضغط؟
السؤال الأهم: من يملك قراره؟
وهنا بالضبط تُختبر سيادة السودان ….
