
بسم الله الرحمن الرحيم
*تهافت خطاب التمرد: لماذا يجب أن يحاكم مناوي بتهمة تقويض الدستور؟*
يا حاكم إقليم دارفور.. يا من تمثل الدولة بمال الدولة وسلاح الدولة وكرسي الدولة.. اسمعها منا واضحة.
حين كانت المليشيا تتمدد، تقتل وتغتصب وتحرق القرى، ماذا فعلت؟ خرجت على الملأ وأعلنت الحياد. لم تقف مع الشرعية، ولم تقف ضدها، بل وقفت تنظر. قلت بلسانك: أنا محايد. حياد بين من ومن؟ بين جيش وطنك ومليشيا تقتل وطنك؟ هل نسيت ام اذكرك ؟
عام كامل والرجال في الخنادق، يموتون ويُجرحون ويُدفنون، جوع وعطش، ولكن الوطن أمانة في أعناقهم لم يبيعوها، وعاهدوا على النصر حتى كسروا شوكة التمرد وحدهم. وأنت في حيادك، هل نسيت أم أذكرك؟
وحين انكسرت شوكة التمرد وانتصر الفرسان، فتحوا لك الطريق، ولم يحاسبوك على حيادك. جئت متأخراً لتعلن الانضمام بعد أن بردت المعركة. ورغم ذلك، يرى المواطن أنك من أكثر مسؤولي الدولة سفريات وإجازات، بينما إقليمك يعيش ما بين شهيد وجريح ولاجئ ونازح ومفقود ومقيم في العراء.
والسؤال الذي يسأله كل نازح في العراء: أين ترتيب أولويات الإقليم بين السفريات الخارجية وتوفير أبسط مقومات الحياة للأيتام؟ وهل تمت مراجعة منصرفات إقليم يعيش أهله في العراء؟
أما الجيش الذي تزايد عليه اليوم، فانظر إلى قيادته لتتعلم معنى التضحية، وانظر إلى منسوبيه فهم يقاتلون بلا أذى ولا منة، ولكن بعقيدة جيش نظامي يعلم أن حماية الأرض واجبه وأن رد العدوان هو الهدف مهما كان. ولو تأملت فيما قدموا ويقدمون للوطن لعلمت أن السودان محمي برجال يفخر بهم الجميع.
وأقولها لك: نفس هؤلاء الفرسان الذين هزموا تمرد الأمس وهم حفاة، سوف يهزمون كل مليشيا سابقة أو قادمة.. والفورة مليون.
أما عن خطابك.. خرجت في تدشين ما سمي بـ “زاد المقاتلين” وقلت: “نحن متمردون على أي دولة تدعم الجنجويد، وأتحمل كلامي حتى المشنقة”.
يا رجل، هل تعرف ما معنى أن يقول حاكم إنه متمرد؟ منذ أن كتب هوبز “اللوياثان” وروسو “العقد الاجتماعي”، والعالم كله يعرف أن الدولة هي احتكار السلاح الشرعي. الحاكم هو الدولة. فكيف تتمرد الدولة على نفسها؟
هذا هو الجنون بعينه. ما تفعله يسميه الفقيه كارل شميت “حالة الاستثناء”.. أن تخلق فوضى لتبرر خروجك على القانون باسم القانون.
لو قبلنا منطقك اليوم، فغداً سيخرج والٍ ليتمرد عليك أنت نفسك، وبعده محلية تتمرد على الوالي، حتى لا يبقى وطن. أنت لا تهدد خصماً سياسياً، أنت تهدد فكرة الدولة ذاتها.
والقانون الذي تظنه يمنحك حصانة هو أول من يدينك. فالقانون يقول: تقويض النظام الدستوري جريمة، وإثارة الحرب ضد الدولة جريمة، والتحريض العلني جريمة. وأنت فعلت الثلاثة في جملة واحدة، وختمتها بقولك “أتحمل حتى المشنقة”.. وهذا في لغة المحاكم يسمى اعترافاً مكتملاً مع سبق الإصرار.
ثم تأتي المفارقة التي تكشف كل شيء. أنت تدين الدولة لأنها صنعت مليشيا بمال الدولة، وهذا حق. لكن من أنت؟ ألست أنت نفسك قائد حركة مسلحة خارج الجيش، تأكل وتشرب وتتسلح من مال الدولة ذاته؟
فبأي منطق تريد حل مليشيا خصمك والإبقاء على مليشياتك؟ إن كان المبدأ هو “لا للمليشيا”، فالمبدأ لا يتجزأ. إما جيش واحد، أو فوضى مليشيات إلى الأبد.
إن الدولة التي نحلم بها ليست دولتك وحدك ، بل دولة القانون.. الدولة التي يحاسب فيها الحاكم إذا هدد بالتمرد، قبل أن يحاسب المواطن إذا تمرد.
فإن كنت صادقاً في ما تقول، فابدأ بنفسك. سلّم قواتك للجيش كقدوة أخلاقية، ثم تعال حدثنا عن رفض المليشيات.
أما دون ذلك، فكلامك تهافت.. تهافت خطاب التمرد من داخل الدولة.
وللحديث بقية
محمد المسلمي الكباشي
