
بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
أي دولة نريد أن نبني؟
نحن نطلب من المعلم أن يبني الإنسان السوداني من الداخل، وأن يغرس في عقول أبنائنا الأخلاق والقيم والانتماء والوطنية، وأن يصنع جيلاً قادراً على النهوض بوطن أنهكته الحرب. لكننا نترك هذا المعلم نفسه يصارع الحياة من أجل قوت يومه، وينتظر راتبه ومستحقاته، كأننا نطالبه ببناء مستقبل لا نكلف أنفسنا عناء تأمين حاضره.
نحن لا نطالبه بأداء وظيفة تعليمية فحسب، بل نحمّله مسؤولية صناعة أجيال السودان القادمة، وننتظر منه أن يكون مربياً وقدوة وصانع وعي وحارساً للقيم في مجتمع يحتاج إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب. وهذه مسؤولية لا يجوز أن تتحول إلى عبء نلقيه على كتفيه ثم نتنصل من مسؤوليتنا تجاهه.
لقد جاء التوجيه الحكومي بصرف متأخرات المعلمين ليضع هذه القضية في واجهة الاهتمام من جديد. وهي خطوة مطلوبة، لكن القضية أكبر من قرار بالصرف، وأعمق من تسوية مستحقات تراكمت. فكيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها حصول المعلم على حقه خبراً يستحق الإعلان، بدلاً من أن يكون أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى إعلان أو احتفاء؟
إن مستحقات المعلم ليست منحة حكومية ولا إحساناً، بل حق يفرضه عمله ومسؤوليته المهنية. فالتعليم ليس وظيفة تُقاس بساعات الدوام وحدها، بل مهنة تتطلب علماً وتأهيلاً وجهداً متواصلاً، وتحمّل مسؤولية تربوية لا يجوز التقليل من شأنها أو فصلها عن التقدير الوظيفي والمادي المستحق.
لكن الأزمة لا تتعلق بمتأخرات لم تُصرف أو راتب تأخر موعده فحسب، بل تكشف خللاً أعمق في الطريقة التي تُقيّم بها الدولة موظفيها، وفي المعايير التي تحدد على أساسها قيمة الوظائف وأصحابها.
كيف نضع المعلم بكل ما يحمله من مسؤولية عن بناء العقول وصناعة الأجيال في معادلة وظيفية لا تعكس حجم هذه المسؤولية؟
يبدأ الخلل حين تنفصل سياسات الأجور عن القيمة الحقيقية للعمل، وحين لا تتناسب المستحقات مع الأعباء المهنية والمعيشية، وحين تتحول الهياكل الوظيفية إلى جداول جامدة لا تضمن العدالة ولا تحفظ التوازن بين المسؤولية والعائد.
لسنا بصدد الانتقاص من موظف أو مهنة أخرى، فلكل العاملين حقوقهم وأدوارهم التي تستحق الإنصاف. لكن العدالة الوظيفية لا تتحقق بتجاهل الفروق في المؤهلات والخبرة والمسؤوليات، ولا بتهميش مهنة تتوقف عليها قدرة المجتمع على إعداد أجياله. إنها تتحقق بنظام أجور واضح وعادل، يراعي طبيعة العمل وحجم المسؤولية، ويضمن لجميع العاملين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
المشكلة ليست أن المعلم يطلب أكثر، بل أن الدولة مطالبة بأن تراجع كيف تُقدّر عمله أصلاً.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز قضية المعلمين إلى بنية الوظيفة العامة كلها: هل تملك الدولة سياسة عادلة لتقييم الوظائف وتحديد أجورها؟ وهل تعكس هياكل الرواتب حجم المسؤوليات التي يتحملها العاملون؟ وهل تُراجع هذه الهياكل بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية وتكاليف المعيشة؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها التصريحات، بل تجيب عنها السياسات الفعلية والأرقام والقرارات.
إن الحديث عن إعادة بناء السودان لا يمكن أن ينفصل عن طريقة إدارة الموارد العامة وتحديد الأولويات. فإعادة البناء ليست مجرد إعادة فتح المؤسسات وتشغيل المكاتب وإصلاح المباني، بل هي أيضاً مراجعة السياسات التي تحكم هذه المؤسسات، وإنصاف الكفاءات التي يعتمد عليها استمرارها وتطورها.
ولا معنى لدولة تتحدث عن الاستثمار في الإنسان ثم تتعامل مع التعليم باعتباره بنداً مالياً يمكن تأجيل استحقاقاته. ولا يمكن إصلاح المؤسسات مع الإبقاء على سياسات تعجز عن توفير العدالة والاستقرار للعاملين فيها.
إننا لا نستطيع أن نبني دولة جديدة بعقلية تعيد إنتاج الاختلالات القديمة.
وإذا كان المعلم أحد أهم أعمدة بناء الإنسان، فإن إصلاح وضعه لا ينبغي أن يقتصر على تسوية المتأخرات، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة هيكل الأجور، وضمان انتظام المرتبات، وتحقيق العدالة بين الولايات، ووضع معايير واضحة لتقييم الوظائف وتقدير المسؤوليات. فالمطلوب ليس معالجة أزمة عابرة، بل إصلاح يمنع تكرارها ويحفظ للمعلم حقه وكرامته واستقراره.
إن أخطر ما في هذه القضية أن التعليم يحتاج إلى معلم يستطيع أن يؤدي رسالته في ظروف تسمح له بالتركيز على طلابه وتطوير قدراته والوفاء بمسؤولياته. أما أن نحمّله مسؤولية إعداد الأجيال ثم نتركه منشغلاً بتدبير ضروريات حياته وملاحقة مستحقاته، فذلك تناقض لا يمكن إخفاؤه بالشعارات.
وبالطبع فإن أزمة التعليم لا تُختصر في الوضع المادي للمعلم وحده. فهناك مناهج تحتاج إلى تطوير، ومدارس تحتاج إلى التأهيل، وبيئة تعليمية تحتاج إلى الإصلاح. لكن هذه الملفات جميعها ستظل ناقصة ما لم يكن المعلم في قلب مشروع الإصلاح، لا في هامشه.
فلا يمكن أن نطالب المعلم بأن يصنع جيلاً يؤمن بالعدل إذا لم نكن مستعدين لتطبيق العدالة على عمله وحقوقه.
إن قضية المعلمين تضعنا أمام امتحان حقيقي: هل نريد معالجة آثار الأزمة فقط، أم مراجعة السياسات التي أبقتها قائمة؟ هل نكتفي بصرف المتأخرات ثم نعود إلى النقطة ذاتها بعد أشهر، أم نجعل هذه اللحظة بداية لإصلاح جاد في الأجور والتقييم الوظيفي وأولويات الإنفاق العام؟
قبل أن نسأل المعلم ماذا سيقدم للسودان، علينا أن نحدد ما الذي ستقدمه الدولة لمن يحمل مسؤولية إعداد أجياله.
أي دولة نريد أن نبني؟
دولة تستعيد مؤسساتها بينما تؤجل إصلاح السياسات التي تحكمها؟ أم دولة تدرك أن إعادة البناء تبدأ بمراجعة أولوياتها، وإنصاف العاملين فيها، ووضع الإنسان في صميم قراراتها؟
إن السودان الذي نريد بناءه لن يحتاج إلى مبانٍ ومؤسسات تعمل فحسب، بل إلى أجيال تعرف قيمة العلم والعمل والعدل والمسؤولية. وهذه الأجيال لن تُصنع بالشعارات وحدها، بل بمدارس قادرة على أداء رسالتها، ومعلمين يحظون بالتقدير الفعلي، ودولة تجعل الوفاء بالحقوق جزءاً من نظامها، لا استجابة مؤقتة للضغط.
أي دولة نريد أن نبني إذا كنا نطالب المعلم ببناء الإنسان، ولا نزال نبحث عن السياسة التي تنصفه؟
