مقالات الرأي
أخر الأخبار

قلتُ أرحل.. وقيل لي ارحل: في وداع الحبيبة الأولى

قلتُ أرحل.. وقيل لي ارحل: في وداع الحبيبة الأولى

 

هناك حبٌ في حياة كل رجل لا يشبه أي حبٍ آخر. حبٌ لا يخضع لمنطق، ولا يذبل بالبعد، ولا يُستبدل بغيره مهما كان أجمل. إنها الحبيبة الأولى.. الوطن.

 

نحن لا نحب الوطن لأنه الأجمل، فنحن نعلم أن هناك أوطاناً أغنى وأنظف وأكثر نظاماً. نحن نحبه لأنه نحن. رائحته هي رائحتنا، ولهجته هي لغتنا الأم التي لا نحتاج لترجمتها، وترابه هو الذي شهد أولى خطواتنا.

 

وعلى مرّ تاريخنا، كان فراق هذه الحبيبة هو موضوع شعرنا وبكائنا الأبدي.

 

المحور الأول: حين قلتُ أرحل – وجع الاختيار

 

خلّد شاعرنا التيجاني سعيد هذا الوجع حين كتب، وخلّده العملاق محمد وردي حين غنى:

قلت أرحل .. أسوق خطواتي من زولاً نسي الإلفة

أهوّم ليل .. أسافر ليل .. أتوه ليل

هذا هو رحيل الاختيار. أن تحزم حقيبتك بيدك، تودع أمك، توصي جارك على البيت، وتسافر وانت تظن أنك ذاهب لتعود أفضل. هذا الرحيل موجع، نعم، لكن فيه عزاء: أنت من قررت. وإذا تعبت، يمكنك أن تقرر العودة.

 

في هذا الرحيل، تشتاق، لكن اشتياقك ممزوج بالأمل. تشتاق لصوت الأذان المتداخل، لرائحة الخبز في الصباح، لجبنة الحبوبة، لعراك الشارع الذي ينتهي بضحكة. وتقول لنفسك: سأرجع.

 

المحور الثاني: حين قيل لي ارحل – كسر القسر

 

أما هذه المرة.. فالقصة مختلفة تماماً.

 

هذه المرة لم نقل “أرحل”، بل قيل لنا “ارحلوا”.

 

لم تكن حقيبة، كانت نجاة. لم يكن وداعاً، كان انتزاعاً. الحرب اللعينة لم تطرق الباب، بل كسرته. لم تعطنا فرصة لنغلق الشبابيك، أو نودع الجدران، أو نقول للبيت: انتظرنا.

 

وهنا يكمن الجرح الأكبر. فراق الاختيار يترك في القلب حنيناً، أما فراق القسر فيترك في القلب كسراً.

 

لماذا وجع هذه المرة لا يحتمل؟

 

لأنه بلا وداع. تركنا الباب موارباً على أمل الرجوع غداً، وغداً طال وأصبح اكثرمن عامين.

 

ولأنه بلا اختيار. المغترب القديم كان يملك قرار العودة، أما نحن فسُلب منا حتى القرار. شعور أنك معلق بين سماء وأرض، لا أنت هنا ولا أنت هناك، هو أثقل ضغط نفسي يمكن أن يعيشه إنسان.

 

ولأنه بلا عنوان. وهنا بيت القصيد لاني لا اعرف مني أضع عصا الترحال”. التائه الذي يعرف وجهته يتعب جسده فقط، أما التائه الذي لا يعرف أين يضع عصاه، فيتعب جسده وروحه معاً. هل أستقر في الإسكندرية؟ هل أبدأ من الصفر؟ أم تظل حقيبتي جاهزة على الباب؟

 

عصا الترحال.. كيف نحملها؟

 

يا من اقتُلعتم قسراً، الحرب سرقت البيوت، وهذا موجع، لكن لا تدعوها تسرق أرواحكم.

 

لا تخجلوا من حزنكم. البكاء على الوطن ليس ضعف إيمان، بل هو دليل أن الجذور لا تزال حية. من حقك أن تقول: أنا لم أختر هذا.

 

وثانياً، تعلموا فقه المرحلة: لا تضعوا العصا للأبد وكأنكم نسيتم الرجوع، ولا تظلوا حاملينها على أكتافكم حتى تنكسر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى