“هارون يكسر الصمت: الجيش سيبقى… والعودة عبر الانتخابات فقط” “الإسلاميون والجيش ومستقبل السودان: قراءة تحليلية في حوار أحمد هارون مع السودان بودكاست” بقلم محمد عبدالله

“هارون يكسر الصمت: الجيش سيبقى… والعودة عبر الانتخابات فقط”
“الإسلاميون والجيش ومستقبل السودان: قراءة تحليلية في حوار أحمد هارون مع السودان بودكاست”
إعداد: محمد عبدالله
في أول ظهور إعلامي مطول له بعد 7 سنوات من الغياب، وعلى مدى 4) ساعات، و12 دقيقة، و58 ثانية( ظل مولانا أحمد محمد هارون يتحدث للإعلامي ربعي سراج في حلقة على سودان بودكاست حول كيف ينظر الإسلاميون للجيش؟ ومستقبل البلاد بعد الحرب.
وأجاب عن أسئلة ظلت حاضرة عن علاقة الإسلاميين بالجيش، حيث قال هارون: إنه لا توجد علاقة عضوية بين المؤتمر الوطني والبرهان. ولا يوجد “حبل سري” بين الطرفين. فالعلاقة هي علاقة رئيس دولة بقوى سياسية تقع تحت مسؤوليته. وما يجمعهم هو “معركة الميدان” والاستهداف الذي تتعرض له الدولة. واستشهد بقوله: “وضعنا مثل الذين يستغلون مركباً مهدداً بالغرق، فلا خيار أمام الذين به إلا التعاون وغرف المياه للوصول إلى بر الأمان”.
نفي مقولة الترابي:
نفى هارون أن تنطبق على علاقتهم بالبرهان مقولة الشيخ حسن الترابي الشهيرة “اذهب إلى القصر رئيساً وأنا أذهب إلى السجن حبيساً”. وفي تفسير هجوم البرهان على الإسلاميين:
قال إن البرهان بشر ومتأثر بالدعاية الإعلامية القوية التي استمرت بعد 2018، وهذه الدعاية ليست من صنع “القحاتة” فقط، بل غرف إعلامية تقوم بها استخبارات عالمية.
وحول من أشعل الحرب؟ نفى هارون بشكل قاطع أن يكون الإسلاميون هم من أشعلوا الحرب. ووصف الحرب بأنها “حرب عدوان بالدرجة الأولى” هدفها تدمير كيان الدولة السودانية، وليست حرباً بين طرفين على السلطة فقط. وقال إن دعم الإسلاميين للجيش جاء استجابة لدعوة القائد العام للتعبئة العامة بعد خروجهم من السجن في بداية الحرب. وأشار إلى أن قوى حلف الدعم السريع هي تحالف فضفاض مبني على المصالح والعمالة والتوظيف، وليس تحالفاً مبدئياً. وأكد أن الفصائل الإسلامية ليس لديها أي سلطة على الجيش، وأن عدد المقاتلين المرتبطين مباشرة بالمؤتمر الوطني حوالي 5000 مقاتل، يعملون بالأساس في وحدات تتبع للجيش والمخابرات.
كواليس سقوط الإنقاذ في 2019:
هذا هو الجزء الذي أثار أكبر جدل في الحلقة، حيث وصف الفريق صلاح عبدالله قوش بأنه “مثل بطل فيلم هندي مات في الدقيقة الأولى”، وقال إن عنده تهوراً واندفاعاً أكثر مما ينبغي لرجل أمن حصيف.
وشب هارون صلاح قوش بطيار “إما أن تكون لديه ثقة زائدة أو ما عنده ثقة في نفسه”.
وقال إن قوش كان لديه ثقة في قدرته على “اللعب بالبيضة والحجر”.
وفي سؤال الربعي له عن دور البرهان:
قال إنه لا يحمّل البرهان مسؤولية السقوط، لأنه لم يكن جزءاً من اللجنة الأمنية التي خططت للإطاحة بالنظام. نافياً وجود موجدة شخصية تجاهه.
وحول “هل كان هناك عرض لتسليم السلطة؟” تساءل هارون عن حقيقة تلقي قيادة البشير عرضاً لتسليم السلطة قبل السقوط، وقال إن الخلافات داخل قيادة الحزب حول التعامل مع الاحتجاجات لم تكن موجودة بالشكل الذي يُروى في الإعلام.
وعن مستقبل البلاد وشكل الحكم بعد الحرب، وهو محور شكل أهمية في الحلقة، إذ يمثل رؤية الحركة الإسلامية للمستقبل: اقترح هارون بقاء الجيش في الحكم في الأمور السيادية، “بالنظر لمهددات الأمن السوداني والتدخل الخارجي”.
وفي شأن الانتخابات: قال: “اتخذنا قراراً استراتيجياً ألا نعود للسلطة إلا عبر صناديق الانتخابات بعد الحرب… لن نكون في أي حكومة انتقالية غير منتخبة بعد الحرب”.
فالنموذج المقترح: أن يسيطر الجيش على الأمور السيادية، وتأتي الانتخابات برئيس وزراء لإدارة الحكومة” فالنموذج الغربي لن يكون مناسباً للسودان” ولا بد من الوصول لصيغة عن دور الجيش في السياسة في ظل الهشاشة الأمنية، واقترح إجراء استفتاء شعبي على “من يقدمه الجيش للحكم”.
وبشأن التفاوض: قال إن أي حرب لا تنتهي بالقتال فقط، ولا بد من الجلوس على طاولة التفاوض في النهاية. وأضاف: “في فرق تدخل التفاوض ببطنك ولا بضهرك، وده يعتمد على الأداء الميداني”.
وفي الموقف الإقليمي والدولي: انتقد هارون الإمارات بشدة، ووصف دورها بمحاولة توسيع النفوذ وتقسيم الدول والحرب الاقتصادية. أما في ما يخص السعودية ومصر وتركيا وقطر: تحدث عنها بمواقف مختلفة، ورأى أن مواقفها تختلف عن الموقف الإماراتي.
وفي شأن المحكمة الجنائية الدولية: قال إنه مطلوب لديها بتهم جرائم حرب في دارفور، لكنه لم يركز على هذا الملف في الحلقة، وركز على الحاضر والمستقبل.
وحول حكومة كامل إدريس: أشار هارون إلى أن تعيين عدد من الإسلاميين وحلفائهم في الحكومة الجديدة عزز من تصور عودتهم.
وفي تقييمه دافع هارون عن تجربة الإنقاذ (1989-2019)، ودعا إلى تقييمها بما تحقق في: التعليم وزيادة أعداد الطلاب والقبول الجامعيالكهرباء والطرق والصناعةالنفط والبنية التحتية
وقال إن الإنقاذ يجب أن تُقيم بما أنجزته، وليس فقط بما أخفقت فيه.
الرسائل الضمنية في الحلقة، وهي خلاصات تم التوصل إليها من خلال المتابعة:
رسالة أولى: للداخل السوداني: نحن لسنا طلاب سلطة عبر الانقلاب، نحن مع الجيش في معركة الدولة، وسنعود عبر الانتخابات فقط.
رسالة ثانية: للخارج: الجيش سيبقى لاعباً سيادياً طويلاً، وأي محاولة لعزله ستفشل بسبب الهشاشة الأمنية.
رسالة ثالثة: للخصوم السياسيين: الحركة الإسلامية لم تنتهِ، وهي موجودة في الميدان وفي مؤسسات الدولة، وستكون جزءاً من أي معادلة قادمة.
ردود الفعل على الحلقة:
المؤيدون قالوا: الحلقة كسرت الصمت وكشفت وجهة نظر كانت غائبة. هارون كان هادئاً ومنطقياً وقدم رؤية سياسية واضحة. الحوار كان مهنياً ولم يكن هجومياً.
المعارضون قالوا: الحلقة محاولة لتلميع صورة الإسلاميين وتبييض تاريخهم. هارون لم يُسأل بعمق عن جرائم دارفور وملف المحكمة الجنائية. فكرة بقاء الجيش في الحكم هي إعادة إنتاج لنظام الإنقاذ بشكل جديد. الحديث عن الانتخابات بدون حكومة انتقالية محايدة هو مدخل للعودة عبر صناديق متحكم فيها.
خلاصة التقريرالحلقة ليست مجرد حوار صحفي، بل هي وثيقة سياسية تعلن فيها الحركة الإسلامية رسمياً:
أنها مع بقاء الجيش في الحكم. أنها لن تشارك في حكومة انتقالية غير منتخبة. أنها ستسعى للعودة عبر الانتخابات. أنها ترى أن النموذج الغربي للديمقراطية غير مناسب للسودان. وهذا يعني أن مستقبل السودان بعد الحرب سيكون محل صراع بين رؤيتين: رؤية تدعو لبقاء الجيش ضامناً سيادياً. رؤية تدعو لسلطة مدنية دستورية كاملة وخضوع الجيش لها.
