بدون فواصل بقلم: رشا أحمد البشير قرارات بلا بوصلة.. والمواطن وحده يدفع الثمن!

بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
قرارات بلا بوصلة.. والمواطن وحده يدفع الثمن!
ليست المشكلة في أن تتراجع الحكومة عن قرار اتضح لها لاحقاً أنه يحتاج إلى مراجعة، فمراجعة القرارات وتصحيح المسارات أمر مطلوب في العمل العام، لكن المشكلة الحقيقية أن تصدر القرارات دون دراسة كافية، ثم يأتي التراجع عنها بعد أن يكون المواطن قد دفع ثمنها، وتحمل تبعاتها، وأعاد ترتيب حياته على أساسها.
ولعل ما حدث بشأن مراكز الجامعات السودانية بالخارج يقدم نموذجاً واضحاً لحالة التخبط وغياب التنسيق داخل مؤسسات الدولة. فقد أصدرت وزارة التعليم العالي قراراً بإغلاق المراكز الخارجية، وألزمت الجامعات بالعودة إلى مقارها داخل السودان، وحددت الأول من أغسطس 2026 موعداً لتنفيذ القرار، ولم تكتفِ بذلك، بل أكدت عدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عن المراكز التي تواصل نشاطها بعد الموعد المحدد.
وأمام هذا القرار، وجدت أسر سودانية كثيرة نفسها أمام خيارات صعبة؛ فمنها من اضطر إلى العودة إلى السودان، ومنها من تحمل أعباء مالية ومعيشية كبيرة لترتيب أوضاع أبنائه، ومنها من أعاد حساباته التعليمية والأسرية، وسط حالة من القلق بشأن مستقبل الطلاب واستقرارهم الأكاديمي.
وبعد أن تحملت الأسر هذه المشقة، ومضت في تنفيذ ما طُلب منها، وجّه رئيس مجلس الوزراء، في السادس والعشرين من أكتوبر، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي باستمرار عمل مراكز التعليم العالي خارج السودان، إلى حين توفيق أوضاعها وفقاً للضوابط والاشتراطات المعتمدة .
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: إذا كانت الحكومة قد رأت أن استمرار هذه المراكز ممكن، وأن بالإمكان توفيق أوضاعها بدلاً من إغلاقها، فلماذا صدر قرار الإغلاق ابتداءً؟ ولماذا تُركت الأسر والطلاب يواجهون تبعاته، قبل أن تأتي المراجعة متأخرة إلى هذا الحد؟
إن القضية لا تتعلق بمجرد اختلاف في وجهات النظر بين الوزارة ورئاسة مجلس الوزراء، وإنما تكشف عن خلل أعمق في آلية صناعة القرار الحكومي، وعن غياب التنسيق الذي يفترض أن يسبق إصدار القرارات، لا أن يأتي لمعالجة آثارها بعد وقوعها.
فالقرارات العامة ليست بيانات تُنشر ثم تُسحب، وليست توجيهات إدارية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات قابلة للتجربة والخطأ. وراء كل قرار حياة مواطن، ومستقبل طالب، واستقرار أسرة، والتزامات مالية لا يمكن التراجع عنها بمجرد صدور توجيه جديد.
والأخطر من ذلك أن القرارات التي تصدر بمعزل عن بعضها بعضاً تضع المواطن في مواجهة مؤسسات لا تبدو وكأنها تتحرك ضمن رؤية حكومية واحدة.
فوزارة تصدر قراراً حاسماً، ثم يأتي توجيه من رئاسة مجلس الوزراء يسير في اتجاه مختلف، دون أن توضح الحكومة للرأي العام ما الذي استجد في المعطيات، وما الأسباب التي استدعت هذا التحول.
وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدراسات التي تسبق القرارات الحكومية، ومدى التشاور بين الجهات المختصة، وما إذا كانت الجهات المعنية تضع في حساباتها الآثار الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية قبل اتخاذ قرارات تمس حياة المواطنين ومستقبلهم.
إن كان قرار الإغلاق قد استند إلى اعتبارات تتعلق بالاعتماد الأكاديمي والضوابط القانونية، فهذه اعتبارات تستحق الدراسة والمعالجة، لكن معالجتها لا تعني بالضرورة تجاهل الظروف التي دفعت الطلاب إلى الدراسة خارج البلاد، ولا إغفال ما ترتب على ذلك من التزامات أسرية وتعليمية. وكان من الممكن بحث آليات توفيق الأوضاع، ووضع اشتراطات واضحة ومهل زمنية مناسبة، قبل دفع الأسر إلى اتخاذ قرارات مصيرية.
والمؤسف أن المواطن أصبح في كثير من الأحيان الحلقة الأخيرة في سلسلة التفكير الحكومي؛ فلا يُستشار قبل القرار، ولا تُقدّر ظروفه بما يكفي عند اتخاذه، ثم يُطلب منه التكيف مع نتائجه، حتى عندما تتغير تلك القرارات أو تتناقض.
إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تقيس نجاح قراراتها بمجرد صدورها، وإنما بمدى دراستها، واتساقها، وقدرتها على تحقيق أهدافها دون تحميل الناس أعباء كان بالإمكان تجنبها. كما أن التنسيق بين مؤسساتها ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة حتى لا تتحول الوزارات إلى جزر منفصلة، تعمل كل منها وفق تقديراتها الخاصة، بينما يدفع المواطن ثمن غياب الرؤية المشتركة.
لسنا ضد مراجعة القرارات، بل ضد أن تأتي المراجعة بعد فوات الأوان، ولسنا ضد تنظيم التعليم العالي وحماية مؤسساته، بل ضد أن تتحول الإجراءات التنظيمية إلى أعباء إضافية على أسر أنهكتها الظروف، وأصبحت تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار لأبنائها.
إن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة اليوم ليس لماذا سمحت باستمرار المراكز الخارجية، وإنما لماذا أصدرت قراراً بإغلاقها، ثم عادت لتوجيه استمرارها بعد أن تحمل المواطن كلفة القرار الأول؟
فإدارة شؤون الدولة لا تحتمل سياسة التجربة والخطأ، ولا يجوز أن تصبح حياة الناس ومستقبل أبنائهم ميداناً لاختبار القرارات. فالمواطن ليس طرفاً هامشياً في معادلة الحكم، وليس مطلوباً منه أن يدفع في كل مرة فاتورة اختلاف المؤسسات وغياب التنسيق بينها.
أما آن لهذه الحكومة أن تتفق مؤسساتها على قرار واحد قبل أن تطلب من المواطن أن يرتب حياته على أساسه؟

