
التحرر الفاسد.. حين تصبح الحرية غطاءً لإفساد الحياة
ليست كل القيود ظلماً، وليس كل خروج عليها تحرراً. فبعض القيود تصنعها الخرافة والخوف، وتستحق أن تُكسر، وبعضها الآخر تصنعه القيم التي تحفظ للإنسان كرامته، وللعلاقات الإنسانية توازنها، وللمجتمع قدرته على الاستمرار.
المشكلة لا تبدأ حين يطالب الإنسان بحريته، بل حين يختزل الحرية في حقه بفعل ما يشاء، دون أن يرى ما يتركه فعله في حياة الآخرين. هنا يحدث التحول الأخطر: ينتقل التحرر من كونه استعادة لكرامة الإنسان إلى وسيلة لإعفاء الذات من المسؤولية.
في حياتنا الاجتماعية، تتسلل هذه الفكرة بهدوء. يبدأ الأمر بتبرير تجاوز صغير، ثم يتحول التبرير إلى عادة، والعادة إلى سلوك مألوف، حتى يصبح الاعتراض على الخطأ هو السلوك المستغرب، لا الخطأ نفسه. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود الفساد بحاجة إلى من يدافع عنه؛ إذ تكفيه حالة الاعتياد التي تجعله يمارس حياته دون مساءلة الضمير.
تأمل بعض العلاقات من حولنا: في الأسرة، يريد البعض مساحة كاملة من الحرية، لكنه لا يرى في الالتزام تجاه الآخرين إلا عبئاً. وفي الصداقة، يتراجع الوفاء عندما تتعارض المواقف مع المصالح.
وفي العمل، قد تصبح الأمانة مرتبطة بوجود الرقابة، لا بحضور الضمير. أما في المجال العام، فيطالب الفرد بحقه في الاختلاف، لكنه قد يرفض حق الآخرين في الاختلاف معه.
هذه ليست مجرد تناقضات فردية؛ إنها مؤشرات على خلل أعمق في فهم الحياة المشتركة. فحين تتحول الحقوق إلى مطالب بلا واجبات، والاختلاف إلى خصومة، والاعتذار إلى انتقاص من الكرامة، تبدأ الثقة في الانكماش.
وعندما تنحسر الثقة، يصبح الناس أكثر حذراً في علاقاتهم، وأكثر ميلاً إلى حماية أنفسهم، وأقل استعداداً لمنح الآخرين مساحة من الأمان.
وهنا يظهر الثمن الإنساني للتحرر الفاسد. فالطفل الذي ينشأ وسط تناقض بين ما يسمعه من قيم وما يراه من سلوك، يتعلم أن الأخلاق خطاب اجتماعي لا ضرورة عملية. والجيل الذي يشاهد الكذب ينجو، والوفاء يُستغل، والأنانية تُكافأ، قد يفقد ثقته في المعايير قبل أن تتشكل لديه القدرة على الدفاع عنها.
لكن معالجة هذا الخلل لا تعني العودة إلى الماضي بكل ما فيه، ولا تحويل العادات إلى قوانين مقدسة.
فبعض ما ورثناه يحتاج إلى مراجعة، وبعض ما اعتدناه قد يكون ظلماً في ثوب التقاليد.
النضج الاجتماعي هو أن نمتلك شجاعة نقد الموروث، دون أن نفقد قدرتنا على التمييز بين ما يقيد الإنسان وما يحمي إنسانيته.
فالحرية لا تكتمل بمجرد التخلص من الوصاية، وإنما تكتمل حين يصبح الإنسان قادراً على إدارة اختياراته دون أن يعتدي على كرامة غيره. أن يقول لا دون أن يهين، وأن يختلف دون أن يفسد الود، وأن يطالب بحقه دون أن ينتقص حق الآخرين، وأن يمتلك القوة الكافية للاختيار، والوعي الكافي لضبط اختياره.
إن المجتمع لا يحتاج إلى أفراد متشابهين، ولا إلى أصوات تردد خطاباً واحداً، بل يحتاج إلى اختلاف تحكمه الأخلاق، وحرية تسندها المسؤولية، وتطور لا يقطع صلته بالإنسان.
فالمجتمعات لا تفقد توازنها يوم يختلف أبناؤها، بل حين يفقدون احترامهم لبعضهم، ولا تبدأ أزمتها حين تتغير القيم، بل حين يصبح غياب القيم أمراً لا يستحق حتى الشعور بالقلق.
وفي النهاية، ليست قيمة الحرية في اتساع المساحة التي تمنحها لنا، بل في نوع الإنسان الذي نصبحه ونحن نمارسها.
فليس كل ما نستطيع فعله يستحق أن نفعله، وليس كل ما يحق لنا اختياره يعفينا من مسؤولية نتائجه.
فالتحرر الذي يحرر الإنسان من ضميره لا يفتح له أبواب الحياة، بل يغلق أبواب الثقة بينه وبين الآخرين. وتلك هي المفارقة الكبرى: أن يبحث الإنسان عن حريته، ثم يشارك دون أن يدري في صناعة عالم لا يأمن فيه أحد على حريته.
……ابويامن …..