مقالات الرأي
أخر الأخبار

بدون فواصل بقلم: رشا أحمد البشير إلى متى يظل السودان في مربع رد الفعل؟

بدون فواصل

بقلم: رشا أحمد البشير

إلى متى يظل السودان في مربع رد الفعل؟

 

إلى متى تظل الدبلوماسية السودانية أسيرة ردود الأفعال؟ وإلى متى تكتفي الدولة السودانية بملاحقة خطوات الآخرين والرد عليها، بدلاً من امتلاك زمام المبادرة وفرض مواقفها حين يتعلق الأمر بسيادتها وأمنها القومي؟

أما آن الأوان لأن تنتقل الدبلوماسية السودانية من سياسة الاحتجاج والشكوى إلى سياسة المواقف الحاسمة التي تضع الآخرين أمام حقيقة أن السودان دولة لها أرض وحدود وسيادة لا تقبل المساومة؟

ما يجري في العلاقة مع إثيوبيا لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر، ولا ينبغي اختزاله في واقعة طرد دبلوماسيين وإغلاق قنصليات متبادلة. فالأزمة أكبر من ذلك بكثير.

السودان يتهم إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق الطائرات المسيّرة التي تستهدف المنشآت المدنية والحيوية السودانية، من بينها محطات الكهرباء، وهي اتهامات قدّم السودان بشأنها شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي.

ثم تأتي واقعة طرد الدبلوماسيين السودانيين من مدينة أصوصا وإغلاق القنصلية السودانية، ليرد السودان بإغلاق القنصلية الإثيوبية في القضارف وإبعاد أعضاء بعثتها الدبلوماسية. وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي تجاوزه: ماذا يعني الرد بالمثل في ميزان السيادة؟

إن المعاملة بالمثل قد تكون إجراءً دبلوماسياً مشروعاً، لكنها ليست بالضرورة موقفاً حاسماً، ولا ينبغي أن تتحول إلى سقف تتحرك تحته الدولة في كل مرة تتعرض فيها مصالحها أو سيادتها للتهديد.

فالدبلوماسية ليست مجرد ردود متقابلة، وليست سباقاً في تبادل بيانات الاحتجاج، وإنما هي قدرة على المبادرة وتوظيف أدوات الضغط السياسي والقانوني والدبلوماسي لحماية مصالح الدولة وفرض احترامها.

لماذا لا يذهب السودان إلى خيارات دبلوماسية أكثر حزماً، بما في ذلك إعادة تقييم مستوى العلاقات مع إثيوبيا، واستدعاء السفير السوداني، أو خفض التمثيل الدبلوماسي، أو حتى قطع العلاقات إذا أثبتت التحقيقات والوقائع الرسمية أن هناك تورطاً إثيوبياً في أعمال عدائية ضد السودان؟ لماذا يبدو أن السودان يمسك العصا من المنتصف حتى في القضايا التي تتصل مباشرة بأمنه القومي؟

 

لسنا هنا ندعو إلى اندفاع غير محسوب نحو التصعيد أو إلى فتح جبهة جديدة في وقت يواجه فيه السودان حرباً وأزمات داخلية معقدة، فالدولة مطالبة بحساب كلفة قراراتها ومآلاتها الإقليمية. لكن ضبط النفس شيء، والتردد في اتخاذ المواقف شيء آخر.

والحكمة الدبلوماسية لا تعني أن تظل الدولة في موقع المتلقي، ولا أن تصبح خشية التصعيد مبرراً لتآكل هيبتها أو التغاضي عن تجاوزات تمس سيادتها.

لقد طال زمن الشكوى والسودان ليس مطالباً بأن يظل في كل مرة يشرح للعالم حجم ما يتعرض له، ثم ينتظر مواقف المجتمع الدولي الذي تحكمه المصالح والحسابات، بينما تتكرر الأزمات وتتسع دائرة المخاطر.

صحيح أن اللجوء إلى المؤسسات الدولية ضرورة، وتقديم الأدلة والوثائق خطوة مهمة، لكن السؤال هو: ماذا بعد الشكوى؟ وما الإجراءات التي ستتخذها الدولة إذا لم تجد تلك الشكاوى استجابة، وإذا استمرت الانتهاكات التي يتعرض لها السودان؟

إن السيادة لا تُصان بالبيانات وحدها، ولا تُحمى بمجرد إعلان الاحتجاج، وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، واستراتيجية دبلوماسية متماسكة، وخيارات معلنة، ورسائل لا تحتمل التأويل .

لقد آن الأوان لأن تسأل الدبلوماسية السودانية نفسها: هل نحن من يحدد إيقاع تحركاتنا ومواقفنا، أم أننا ننتظر دائماً ما يفعله الآخرون حتى نقرر كيف نرد؟

فالدولة التي لا تبادر إلى حماية مصالحها، ولا تحدد بوضوح خطوطها الحمراء، ستظل منشغلة بردود الأفعال، مهما تعددت بياناتها واحتجاجاتها. والسيادة السودانية ليست ملفاً قابلاً للتأجيل، ولا مساحة لاختبار صبر الآخرين.

إلى متى يظل السودان في موقف رد الفعل، بينما المطلوب أن يكون صاحب الفعل والموقف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى