مقالات الرأي
أخر الأخبار

أحمد هارون يكسر حاجز الغياب..  قراءة في دلالات التوقيت والرسائل السياسية ومآلات العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية بقلم:احمد اسماعيل حسن

 

أحمد هارون يكسر حاجز الغياب..

قراءة في دلالات التوقيت والرسائل السياسية ومآلات العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية

 

بقلم:احمد اسماعيل حسن

لم يكن ظهور مولانا أحمد محمد هارون عبر برنامج «السودان بودكاست» حدثاً إعلامياً عابراً في سياق المشهد السوداني المضطرب، بل مثّل تطوراً سياسياً يستحق التوقف عنده، ليس فقط بالنظر إلى الشخصية التي جلست أمام الميكروفون، وإنما بالنظر إلى التوقيت والمنصة والرسائل التي حملها الحوار، والأسئلة التي أعاد طرحها بشأن مستقبل السودان السياسي.

فأحمد هارون ليس شخصية سياسية عادية في تاريخ السودان الحديث؛ فهو أحد أبرز قيادات نظام الإنقاذ، وتقلد مناصب دستورية وتنفيذية رفيعة، من بينها وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإنسانية وولاية جنوب كردفان، كما تولى رئاسة حزب المؤتمر الوطني بعد سقوط نظام عمر البشير.

وهو أيضاً شخصية مطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف صدرت في أبريل 2007، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وهي اتهامات لم يصدر فيها حكم قضائي نهائي بإدانته.

ومن هنا، فإن عودته إلى الظهور الإعلامي بهذه الصورة تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود الحوار إلى طبيعة التحولات التي يشهدها السودان.

أولاً: كسر حاجز الصمت.. من الغياب إلى مخاطبة الرأي العام

أولى دلالات هذا الظهور أنه يمثل انتقالاً من حالة الغياب عن المنابر الإعلامية المباشرة إلى مخاطبة الرأي العام عبر حوار مطول، يتيح لصاحبه عرض روايته للأحداث وتقديم تفسيره لتطورات المشهد السياسي والعسكري.

والأهم أن هارون لم يظهر هذه المرة في تسجيل مقتضب أو بيان سياسي، وإنما اختار منبراً حوارياً يتيح له استعراض مواقف الماضي وتقديم تصورات للمستقبل.

وهذا الاختيار يعكس أهمية الإعلام في معركة تشكيل الوعي السياسي، خصوصاً في ظل الحرب التي لم تعد ساحاتها مقتصرة على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى معركة الروايات والتفسيرات وتحديد المسؤوليات.

وبالتالي، فإن ظهور هارون يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة تقديم نفسه وتياره السياسي أمام الرأي العام، من خلال خطاب يستند إلى مراجعة الماضي وتفسير الحاضر وطرح تصورات المستقبل.

ثانياً: الرسالة السياسية الأهم.. الإسلاميون لم يغادروا معادلة المستقبل

لعل أبرز ما يستحق التوقف عنده في الحوار هو حديث هارون عن مستقبل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وعلاقتهما بالقوات المسلحة، وموقفهما من العودة إلى السلطة.

فقد أكد، وفق ما نقلته التغطيات الصحفية للحوار، أن العودة إلى الحكم ينبغي أن تكون عبر الانتخابات، وليس من خلال حكومة انتقالية غير منتخبة.

وهنا تبرز رسالة سياسية ذات دلالات متعددة.

أولها أن التيار الإسلامي يريد التأكيد على أنه لا يعتبر نفسه خارج المعادلة السياسية السودانية، وأن سقوط نظام الإنقاذ لم ينهِ وجوده التنظيمي أو السياسي.

وثانيها أن هذا التيار يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره قوة سياسية يمكن أن تدخل المنافسة الانتخابية مستقبلاً، بدلاً من حصر النقاش حوله في تجربة حكمه السابقة.

وثالثها أن اختيار هذا التوقيت لإعلان هذه المواقف يطرح تساؤلاً مهماً: هل بدأت القوى الإسلامية الانتقال من مرحلة الحضور في سياق الحرب إلى مرحلة الاستعداد للتنافس على مستقبل الحكم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على تصريحات هارون وحدها، وإنما على مدى قدرة هذه القوى على تحويل خطابها إلى مشروع سياسي واضح، يواجه أسئلة التجربة السابقة ومطالب التغيير والتحول الديمقراطي.

ثالثاً: العلاقة بين الإسلاميين والجيش.. تحالف الضرورة أم مشروع سياسي للمستقبل؟

من أكثر المحاور حساسية في الحوار حديث هارون عن العلاقة بين المؤتمر الوطني والمؤسسة العسكرية.

فقد نفى وجود علاقة تنظيمية عضوية بين الطرفين، وقدم العلاقة في إطار التقاطع حول مواجهة الحرب والحفاظ على الدولة، مستنداً إلى أن الأولوية الراهنة هي حماية مؤسسات البلاد.

لكن هذا الطرح يفتح سؤالاً يتجاوز ما قيل في المقابلة:

هل العلاقة الحالية بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية مجرد تقاطع فرضته ظروف الحرب، أم أنها تؤسس لترتيبات سياسية جديدة في مرحلة ما بعد الحرب؟

هذه المسألة بالغة الأهمية؛ لأن السودان ظل يعاني تاريخياً من إشكالية تداخل المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي، ومن صعوبة بناء نظام مدني مستقر يفصل بوضوح بين السلطات السياسية والمؤسسات النظامية.

واللافت أن هارون طرح تصوراً لدور الجيش في المرحلة المقبلة، يقوم على احتفاظه بدور سيادي، مع البحث عن صيغة للحكم تتناسب مع الظروف السودانية.

وهذا الطرح، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، يعيد النقاش إلى القضية المركزية المتعلقة بطبيعة الدولة السودانية المقبلة: هل تقوم على سلطة مدنية كاملة، أم على صيغة تشاركية تمنح المؤسسة العسكرية دوراً سياسياً ودستورياً؟

رابعاً: الحديث عن سقوط الإنقاذ.. محاولة لإعادة كتابة التاريخ؟

لم يقتصر الحوار على الحاضر والمستقبل، بل امتد إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ السياسي السوداني، وهي سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019.

فقد تناول هارون ملابسات الساعات الأخيرة للنظام، وأدوار عدد من الشخصيات، من بينها الفريق صلاح قوش، المدير الأسبق لجهاز الأمن والمخابرات، كما قدم روايته بشأن الظروف التي أدت إلى سقوط النظام.

وهنا تبرز أهمية سياسية وإعلامية كبيرة للحوار.

فالرواية التي يقدمها أحد أبرز قيادات النظام السابق تكتسب أهمية بوصفها شهادة من داخل بنية السلطة التي سقطت، لكنها تظل رواية طرف معني بالأحداث، وليست بالضرورة رواية مكتملة أو محايدة.

ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لهذه الشهادة تكمن في فتح ملفات ظلت محل جدل، وإتاحة الفرصة لمقارنتها بالوثائق والشهادات الأخرى، وصولاً إلى قراءة أكثر شمولاً لما حدث في أبريل 2019.

وفي هذا السياق، فإن مراجعة تجربة الإنقاذ لا ينبغي أن تتحول إلى عملية تبرئة أو إدانة انتقائية، بل إلى تقييم تاريخي وسياسي يستحضر ما تحقق وما أخفق، وما ترتب على ثلاثين عاماً من الحكم.

خامساً: البعد القانوني.. كيف يظهر مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية؟

لا يمكن فصل الظهور الإعلامي لأحمد هارون عن وضعه القانوني.

فهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف تتعلق بملف دارفور، الأمر الذي يجعل ظهوره العلني داخل السودان مدخلاً لإعادة إثارة ملف العدالة والمساءلة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بشخصية سياسية عادت إلى الحديث، وإنما بمدى التزام الدولة السودانية بتعهداتها القانونية، وموقف مؤسساتها من تنفيذ أوامر التوقيف الدولية.

وقد أثار ظهوره بالفعل ردود فعل سياسية، من بينها موقف التجمع الاتحادي الذي طالب بالقبض عليه وإيداعه السجن، معتبراً أن ظهوره يمثل تحدياً لمسار العدالة.

 

وهذا البعد القانوني يضع السلطات أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها، كما يضع الإعلام أمام مسؤولية التمييز بين حق الشخص في عرض وجهة نظره وبين تجاهل وضعه القانوني والقضائي.

سادساً: لماذا الآن؟ دلالة التوقيت في ظل الحرب والتحولات السياسية

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في قراءة الحدث.

لماذا اختار أحمد هارون الظهور في هذا التوقيت تحديداً؟

السودان يعيش مرحلة استثنائية، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والإقليمية، فيما تتصاعد النقاشات حول مستقبل الحكم، ومصير القوى السياسية، وطبيعة الدولة التي ستخرج من الحرب.

وفي ظل هذه الظروف، يمكن قراءة الظهور في ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: استعادة الحضور السياسي والإعلامي.

من خلال مخاطبة الجمهور مباشرة، وتقديم رواية الحركة الإسلامية للأحداث، ومحاولة الانتقال من موقع الدفاع عن التجربة السابقة إلى طرح تصورات للمستقبل.

الاتجاه الثاني: اختبار المناخ السياسي.

فالحوار العلني يتيح قياس ردود الفعل الشعبية والسياسية والإعلامية، ويكشف مساحة القبول والرفض، كما يختبر طبيعة المواقف تجاه عودة قيادات النظام السابق إلى المنابر العامة.

الاتجاه الثالث: المشاركة المبكرة في تشكيل نقاش ما بعد الحرب.

وذلك من خلال طرح قضايا الجيش والحكم والانتخابات والعلاقة بين القوى السياسية، وهي قضايا ستكون في صميم أي ترتيبات سياسية مقبلة.

لكن لا توجد حتى الآن أدلة كافية للجزم بأن الظهور جاء ضمن خطة تنظيمية متكاملة أو بتنسيق رسمي مع مؤسسات الدولة؛ فهذه احتمالات تحتاج إلى قرائن إضافية.

سابعاً: انعكاسات الحدث على الساحة السودانية

من المرجح أن يعيد هذا الظهور تنشيط ثلاثة مسارات من الجدل السياسي:

1. مستقبل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني:

هل تستطيع هذه القوى تقديم مراجعات حقيقية لتجربتها السابقة، وطرح مشروع سياسي يستجيب للتحولات التي شهدها السودان منذ ثورة ديسمبر 2018؟ أم أن عودتها ستظل مرتبطة بالدفاع عن تجربة الإنقاذ وتبريرها؟

2. مستقبل القوى المدنية:

سيعيد ظهور هارون طرح مسألة القوى التي يحق لها المشاركة في صياغة مستقبل السودان، وحدود الإقصاء السياسي، ومعايير العدالة الانتقالية والمساءلة، وهي قضايا لا يمكن حسمها بمجرد الشعارات أو المواقف المسبقة.

3. مستقبل العلاقة بين الجيش والسياسة:

إن طرح تصور لبقاء الجيش في موقع سيادي يفرض نقاشاً دستورياً وسياسياً حول حدود هذا الدور، والضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج الأزمات التي عاشها السودان في العقود الماضية.

الخلاصة: ليست المسألة ظهور شخص.. بل عودة الأسئلة المؤجلة

إن الأهمية الحقيقية لظهور أحمد هارون عبر «السودان بودكاست» لا تكمن فقط في عودة شخصية سياسية مثيرة للجدل إلى الأضواء، وإنما في أنه أعاد فتح ملفات ظن كثيرون أنها ستظل مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب.

لقد وضع الحوار أمام السودانيين أسئلة تتعلق بمستقبل الإسلاميين، وموقع القوى السياسية التي حكمت البلاد سابقاً، وطبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة، ومستقبل الديمقراطية، فضلاً عن ملف العدالة والمساءلة.

والأهم أن الحدث كشف أن المعركة على مستقبل السودان لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون أيضاً معركة سياسية وفكرية حول شكل الدولة، وهوية السلطة، ومن يملك حق المشاركة في تأسيس المرحلة المقبلة.

لكن لا ينبغي الخلط بين الظهور الإعلامي والعودة الفعلية إلى السلطة؛ فالأولى حدث يمكن رصده وتحليل دلالاته، أما الثانية فتتطلب شروطاً سياسية وتنظيمية وقانونية لم تتضح بعد.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام السودانيين ليس فقط: لماذا ظهر أحمد هارون الآن؟ بل: أي سودان يريد السودانيون بناءه بعد هذه الحرب، وما الدروس التي استخلصوها من تجارب الحكم السابقة حتى لا يعيدوا إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه وصيغ جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى