مقالات الرأي
أخر الأخبار

آثار حرب الكرامة على الميزانيات العمومية لشركات المقاولات بين الواقعية والمستقبل (السودان أنموذجاً) 1-2 د. مالك بدنقلا

آثار حرب الكرامة على الميزانيات العمومية لشركات المقاولات
بين الواقعية والمستقبل

(السودان أنموذجاً) 1-2

د.م.م مالك دنقلا
رئيس اتحاد المقاولين
نائب رئيس اتحاد الغرف التجارية

مقدمة:
تمثل الحروب والنزاعات الداخلية المسلحة أخطر الظواهر التي تؤثر على مختلف جوانب الحياة، فاثارها لا تقتصر على الخسائر البشرية والإنسانية فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية من حيث الضغوط التضخمية وتدمير البنى التحتية، وتعطيل عجلة الإنتاج، واستنزاف الموارد الاقتصادية لكافة القطاعات الخدمية والسلعية.
ويعد قطاع البناء والتشييد وفي القلب منه قطاع المقاولات في اي بلد من البلدان من أكثر القطاعات تأثرا بالحروب والنزاعات المسلحة، نظرا لطبيعته الحساسة التي تتطلب توفر الاستقرار الأمني والسياسي و التمويل، وتدفق سلاسل الإمداد، كما أنه يعتمد على التخطيط طويل الأجل لضمان تنفيذ المشروعات وفق الجداول الزمنية والتكلفة المحددة؛
كما تؤدي الحروب إلى آثار كارثية أبرزها الارتفاع الحاد في تكاليف مواد البناء وتعطل حركة الشحن والاستيراد، مما يتسبب في نقص المستلزمات وتوقف المشروعات، وزيادة النزاعات التعاقدية نتيجة عجز الشركات عن الوفاء بالتزاماتها، والمعاناة من أزمات سيولة ونقص في العمالة نتيجة موجات اللجوء والنزوح الجماعي.
يهدف هذا المقال إلى تحليل آثار حرب الكرامة على ميزانيات واقتصاديات شركات المقاولات في السودان، ليس بوصفها مجرد تسجيل لخسائر مرحلة مضت، بل باعتبارها مدخلا لفهم الواقع المالي الحالي للشركات، وتحديد مدى قدرتها على الاستمرار وإعادة التموضع، فالتحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في تسجيل الخسائر فحسب، وإنما في إعداد قوائم مالية تعكس الحقيقة الاقتصادية بدقة، وتكون في الوقت ذاته قابلة للتدقيق ومقنعة للجهات الضريبية والبنوك وأصحاب المشاريع.
وستناول كل ذلك من خلال استعراض الآثار المباشرة وغير المباشرة، والتحديات التي تواجه هذه الشركات، وأخيرا تقديم مجموعة من الحلول والتوصيات للتخفيف من هذه الآثار.

اولا: واقع الاقتصاد السوداني في ظل حرب الكرامة

شهد اقتصاد السودان منذ اندلاع الحرب في ابريل من العام 2023 تدهورا غير مسبوق، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد، وتعرضت قطاعات الإنتاج والبنية التحتية لدمار واسع، بالإضافة إلى تدهور سعر الصرف ونقص الخامات المستوردة وعدم توافرها، وتزايد معدلات التضخم؛ وتشير التقديرات الحديثة إلى انكماش اقتصادي يتجاوز 42%، بالمقارنة مع فترة ما قبل الحرب مع خسائر بمليارات الدولارات، وتوقف نسبة كبيرة من الانشطة الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق، كما أدى النزوح الواسع للسكان إلى تعطيل سوق العمل، وهو ما يعكس حجم الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد السوداني مما انعكس بدوره على قطاع المقاولات الذي يعتمد بشكل أساسي على العمالة وتوافر السيولة والمواد الخام والمشروعات الميدانية وبالتالي شكلت هذه الاوضاع البيئة غير المستقرة التي تعمل ضمنها شركات المقاولات، وهو ما يفسر عمق التأثير الذي أصاب ميزانياتها وهياكلها المالية.

ثانيا: تأثير حرب الكرامة على قطاع المقاولات

يمثل السودان نموذجا واضحا لتأثير الحرب على قطاع المقاولات السوداني، حيث كان من أكثر القطاعات تأثرا بهذه الحرب وتداعياتها التي ادت إلى شلل واسع في النشاط الاقتصادي، وتدهور كبير في أداء الشركات، واختلال حاد في ميزانياتها وارتفاع المخاطر فى كافة العمليات الإنشائية مع تقلص المشروعات وتراجع الاستثمارات وزيادة اسعار الطاقة والمواد الخام وهروب العمالة وتوقف سلاسل الامدادات، وبالتالي فالحرب في السودان لم تكن مجرد ظرف استثنائي عابر يمكن احتواؤه ضمن بند طارئ في القوائم المالية، بل تحولت إلى واقع اقتصادي ضاغط أعاد تشكيل بيئة الأعمال بصورة جذرية.
ولم يقتصر أثر الحرب على توقف المشاريع أو انخفاض الإيرادات، بل امتد إلى صميم الميزانيات العمومية لشركات المقاولات، فأصاب الأصول والسيولة والمخزون والعقود والمطالبات والالتزامات وحقوق الملكية، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول الاستمرارية والملاءة وإمكانات التعافي.

ثالثا: الآثار المباشرة وغير المباشرة على شركات المقاولات بالسودان

أدت الحرب في السودان إلى سلسلة من الصدمات المباشرة لشركات المقاولات السودانية وهي آثار يمكن ملاحظتها بسهولة على مستوى النشاط التشغيلي، إلا أن الأثر الأكثر عمقا يتمثل في انتقال هذه الصدمات إلى داخل القوائم المالية، وخاصة الميزانية العمومية، حيث بدأت تظهر تغيرات جوهرية في تقييم الأصول، وهيكل الالتزامات، ومستويات السيولة
وتمثلت تلك الآثار فيما يلي:

تدمير الأصول والمعدات وضعف البنية التحتية حيث ادت الحرب إلى تدمير الطرق والكهرباء والمياه، مما زاد من صعوبة تنفيذ المشاريع.
ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة الارتفاع الجنوني في اسعار الخامات الاساسية (مثل الحديد والأسمنت والجبس) وايضا الخامات المستوردة نتيجة نقص المعروض أو تعطل سلاسل التوريد وزيادة اسعار الطاقة والوقود وتكاليف الشحن .
زيادة نسب التضخم التراجع الكبير للعملة مما ضغط على ميزانيات المشروعات.
فقدان العمالة بسبب النزوح والهجرة ما ادي إلى ارتفاع أجور الكوادر الفنية بسبب ندرتها.
صعوبة السيطرة على الميزانية بسبب التقلبات السعرية المفاجئة.
ارتفاع تكلفة النقل بسبب المخاطر الأمنية.
توقف المشروعات نتيجة المخاطر العسكرية وتقلص او تجميد طرح مشروعات جديدة بسبب تراجع التمويل وانخفاض الاستثمارات الأجنبية مما قلص حجم الأعمال المتراكمة في ميزانيات الشركات.
تدهور قيمة العملة نتيجة ارتفاع سعر الفائدة ، مما رفع تكلفة استيراد المعدات والمواد المتخصصة المعتمدة على العملات الأجنبية.
صعوبة الحصول على تمويلات بنكية أو تسهيلات ائتمانية بأسعار فائدة منخفضة نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر الائتمانية في القطاع.

رابعا: التحليل المحاسبي لتأثير الحرب على الميزانية العمومية
أدت الاشتباكات المسلحة إلى استهداف مناطق حضرية تحتوي على مشاريع قيد التنفيذ، مما أدى إلى فقدان أصول تقدر بملايين الدولارات، وانعكست هذه الخسائر بشكل مباشر على الميزانية العمومية للشركات، حيث تنخفض قيمة الأصول الثابتة، وتزداد الحاجة إلى مخصصات خسائر، مما يضعف المركز المالي للشركة
ويتضح ذلك مما يلي:

الأصول الثابتة:
تعرضت شركات المقاولات خلال الحرب لخسائر مباشرة في الاصول نتيجة لفقد او نهب او التلف المادي أو التدمير الكلي للمعدات الثقيلة والآليات والمخازن والورش في مناطق النزاع، أو توقفها لفترات طويلة بما أفقدها قدرتها على توليد منافع اقتصادية مستقبلية وفي مثل هذه الحالات لم تعد المعالجة المحاسبية مجرد إجراء روتيني، بل أصبحت تعبيرا عن موقف مهني يتطلب الاعتراف الكامل بالحقيقة، سواء من خلال الشطب النهائي للأصول التي فقدت السيطرة عليها، او شطب قيمتها أو زيادة مخصصات الإهلاك واضمحلال القيمة من خلال اختبار انخفاض القيمة للأصول التي ما زالت قائمة ولكنها فقدت جزءا من كفاءتها الاقتصادية؛ وهنا لا تتعلق المسألة فقط بتعديل الأرقام، بل بمصداقية الإدارة في تقديم صورة واقعية للمركز المالي.
المخزون:
امتد اثر الحرب إلى المخزون كالمواد الخام المخزنة في مواقع العمل التي كانت تمثل في السابق عنصر أمان قصير الأجل، لكنها أصبحت في ظل الحرب مصدر ضغط حيث ترتفع قيمة المخزون من مواد البناء (مثل الحديد والأسمنت) نتيجة التضخم الناجم عن الحرب، ولكن تقابله مخاطر “التقادم” أو صعوبة الوصول إليه وتوريده للمواقع، حيث تعرض المخزون للتلف أو الفقد أو الركود، في ظل ارتفاع تكاليف الإحلال وصعوبة النقل والتخزين، وهو ما أدى إلى تآكل قيمة هذه الأصول وفقدانها لوظيفتها التقليدية كدعامة للسيولة.

المدينون (الحسابات المدينة):
تعثر الذمم المدينة بسبب تأخر المستحقات وزيادة النزاعات، مما استدعى تكوين مخصصات للديون المشكوك في تحصيلها نتيجة تعثر العملاء في سداد المستخلصات (سواء جهات حكومية أو خاصة) ، مما ادي إلى زيادة “مخصص الديون المشكوك في تحصيلها” وقلل من صافي قيمة الأصول المتداولة.

القيم النقدية:
تأثرت القيم النقدية بشدة نتيجة تعطل النظام المصرفي وصعوبة الوصول إلى السيولة، فعانت الشركات من أزمات سيولة حادة نتيجة توقف التدفقات النقدية الداخلة، مع استمرار النفقات التشغيلية والرواتب.

العقود:
فيما يتعلق بالعقود والمشروعات، التي تمثل جوهر نشاط شركات المقاولات، فقد أصبحت المعالجة المحاسبية أكثر تعقيدا، نتيجة توقف المشاريع وصعوبة قياس نسب الإنجاز وارتفاع التكاليف وظهور نزاعات تعاقدية، ولم يعد من الممكن الاستمرار في الاعتراف بالإيرادات وفق نفس الأسس السابقة، بل أصبح من الضروري التوقف عن الاعتراف بالإيراد عند غياب اليقين، وإعادة تقييم العقود، وتكوين مخصصات للعقود الخاسرة عندما تتجاوز التكاليف المنافع المتوقعة.

المستخلصات:
تبرز مسألة المستخلصات باعتبارها من أكثر القضايا حساسية في قطاع المقاولات، حيث يتطلب الأمر التمييز الدقيق بين المستخلصات المؤكدة التي يمكن الاعتراف بها كإيراد، وتلك المشكوك في تحصيلها التي تستدعي تكوين مخصص والمستخلصات محل النزاع التي يقتصر التعامل معها على الإفصاح، وهو ما يمثل عنصرا أساسيا في الحفاظ على مصداقية القوائم المالية ومنع تضخيم الإيرادات.

المطالبات:
تمتد التعقيدات إلى المطالبات والالتزامات المحتملة، حيث يتعين الاعتراف بالمطالبات على الشركة كمخصصات عندما تكون مؤكدة أو مرجحة، في حين لا يجوز الاعتراف بالمطالبات لصالح الشركة إلا عند تحقق درجة كافية من اليقين، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في بيئة النزاعات، حيث تميل التقديرات إلى عدم اليقين، ويصبح الانضباط المحاسبي ضرورة للحفاظ على مصداقية البيانات.

الغرامات:
برزت مطالبات قانونية وغرامات تأخير ناتجة عن عدم الالتزام بالجداول الزمنية للمشاريع، وهو ما يتطلب إدراج “مخصصات قانونية” ضمن الالتزامات. في المقابل، حيث لم تتوقف الالتزامات، بل تزايدت في كثير من الحالات فقد استمرت الشركات في تحمل مصروفاتها الأساسية، مثل رواتب الحد الادني والإيجارات والحراسة والتكاليف التشغيلية، كالاتصالات، والمصروفات القانونية، والفوائد أو المرابحات، ورسوم التراخيص والتجديد، حتى في فترات التوقف التشغيلي وتوقف النشاط، وبذلك تشكلت ميزانيات ضاغطة تعكس أصولاً أقل جودة أو أقل قيمة، في مقابل التزامات ثابتة أو متنامية، وقدره أضعف على السداد، وهذه الصورة تعني عملياً اختلال هيكل الميزانية العمومية بأكمله، لا مجرد تراجع في الربحية مما أدى إلى اختلال توازن واضح حيث تقابل أصول متآكلة التزامات ثابتة أو متزايدة، وهو ما يضعف القدرة على السداد ويزيد من المخاطر المالية.

الأرباح المحتجزة وحقوق الملكية:
تتآكل الأرباح نتيجة انخفاض هوامش الربح بسبب ارتفاع تكاليف المواد الخام (تضخم التكاليف) وتحمل خسائر غير تشغيلية ناتجة عن الحرب، وتصل هذه التطورات إلى أثرها الأعمق في حقوق الملكية التي تعرضت لتآكل كبير نتيجة تراكم الخسائر التشغيلية فحين تتوقف الإيرادات أو تتعطل، وتتضخم التكاليف، وتتراجع قيمة الأصول، وتزداد المخصصات والخسائر المتوقعة، فإن النتيجة الطبيعية هي تراكم الخسائر وتآكل حقوق الملكية، وفي بعض الحالات قد تتحول هذه الحقوق إلى مستويات ضعيفة أو سالبة، بما يثير شكوكاً جوهرية حول قدرة الشركات على الاستمرار.

القروض والتسهيلات الائتمانية:
ارتفاع تكلفة التمويل نتيجة زيادة أسعار الفائدة في فترات عدم الاستقرار، مما يزيد من أعباء الديون طويلة وقصيرة الأجل في الميزانية.
وبذلك لم تعد الحرب تؤثر فقط على نتائج الأعمال، بل امتد أثرها إلى إعادة تشكيل المركز المالي للشركات بالكامل، أصول متآكلة، وسيولة شحيحة، وخصوم ضاغطة، وحقوق ملكية مهددة، وهو ما ينعكس بالضرورة على الملاءة، والسيولة، ونسب التأهيل، وثقة البنوك وأصحاب المشاريع.

خامسا: التحديات المحاسبية والضريبية.

أصبحت عملية إعداد القوائم المالية نفسها تحديا حقيقيا، وجزءاً من الأزمة في ظل ضعف السجلات وفقد بعض المستندات وتعذر الجرد الكامل وتعدد مواقع الضرر، ما جعل الوصول إلى أدلة إثبات كافية مشكلة كبرى للإدارة والمراجع الخارجي،
هذا إلى جانب تأثير التضخم وتقلبات سعر الصرف، مما يجعل القيم التاريخية أقل تعبيرا عن الواقع ما يتطلب سياسات أكثر حذراً في القياس والإفصاح، مع تجنب تضخيم الأرباح الناتجة عن فروقات غير محققة أو الإبقاء على أصول مقيدة بقيم لا تعكس ظروف السوق الحالية.
ومن الناحية الضريبية، فرضت الحرب تحديات لا تقل تعقيداً عن التحديات المحاسبية فقد انكمش الوعاء الضريبي نتيجة تحول أرباح كثير من الشركات إلى خسائر، وأصبح تحديد الربح الضريبي أكثر صعوبة بسبب تقلب التكاليف، وتعطل العقود، ووجود مستخلصات محل نزاع، ومطالبات غير مؤكدة، ومشاريع متوقفة.
كما برزت الحاجة إلى معالجة أكثر مرونة لآثار الحرب، تقوم على الاعتراف بالخسائر الحقيقية المثبتة، وتمديد فترات ترحيل الخسائر، وتخفيف غرامات وفوائد التأخير في سنوات التوقف، ومعالجة العقود المتوقفة بصورة تراعي عدم فرض ضريبة على إيرادات غير محققة. فالعدالة الضريبية في مثل هذا السياق لا تعني التنازل عن حق الدولة، بل تعني ربط الالتزام الضريبي بالواقع الاقتصادي الحقيقي للشركات المتضررة.
وفي هذا الإطار تكتسب الخسائر المرحلة أهمية خاصة، لأنها تمثل الجسر بين واقع الضرر الحاضر وإمكانات الاستيعاب في المستقبل، فترحيل الخسائر وفقاً للقوانين والإفصاح عنها بوضوح يخفف من أثر الصدمة الآنية، ويمنح الشركات فرصة واقعية لاستعادة التوازن عند عودة النشاط، بدلاً من تحميلها عبئاً مضاعفاً في لحظة هي أصلاً لحظة هشاشة مالية وتشغيلية.

سادسا: عناصر السياسة المحاسبية والضريبية الناجحة

من هذا المنطلق، تبرز أهمية وجود سياسة محاسبية واضحة لمعالجة آثار الأزمات والتوقف التشغيلي، تقوم على مبادئ الحيطة والحذر، والواقعية، والاستمرارية، والإفصاح الكامل. فالحيطة والحذر يفرضان الاعتراف بالخسائر فور تحققها، وعدم الاعتراف بالإيرادات إلا عند التأكد، والواقعية تعني تقييم الأصول والمخزون والعقود وفق الظروف الحالية لا وفق افتراضات تجاوزها الواقع،
والاستمرارية تقتضي تقييم قدرة الشركة على مواصلة نشاطها والإفصاح الصريح عن أي شك جوهري، أما الإفصاح الكامل فيشمل طبيعة الأزمة، وأثرها على الأصول والإيرادات والتدفقات النقدية، والسياسات المتبعة في القياس، والمخاطر المستقبلية، وخطط الإدارة للتعافي،وبالتالي أصبح من الضروري اعتماد معالجات أكثر مرونة تعترف بالخسائر الحقيقية وتراعي ظروف التوقف، مع تجنب فرض ضرائب على إيرادات غير محققة.

سابعا: التعافي المؤسسي
معالجة آثار الحرب لا ينبغي أن تبقى محصورة في حدود القوائم المالية أو النزاعات الضريبية التقليدية، بل يجب أن تفهم ضمن إطار أوسع للتعافي المؤسسي، وهنا تبرز أهمية حوكمة القرارات المالية والمحاسبية، وتحديد المسؤوليات داخل الشركة بين الإدارة المالية، والمراجعة الداخلية، والإدارة العليا، وخبير الضرائب، مع مراجعة السياسات وتحديثها دورياً بحسب تغير الظروف الاقتصادية والتنظيمية. فموثوقية الميزانية العمومية لا تتحدد بالأرقام وحدها، بل بسلامة المنهج الذي أنتج هذه الأرقام، وبقدرة الشركة على إثباتها والدفاع عنها مهنياً.
ومن زاوية المستقبل، لا يكفي أن تكون الميزانية العمومية صادقة في تصوير الأزمة، بل يجب أن تكون أيضاً قابلة للاستخدام في التأهيل وإعادة التموضع. فجهات التأهيل لا تقرأ الخسارة المجردة فقط، بل تنظر إلى قدرة الشركة على التعبئة والتنفيذ، وإلى واقعية قائمة معداتها، وسلامة سجلاتها، ووضوح ضوابطها، وخطة التعافي التي تقترحها.
ولهذا يصبح من الضروري إعداد ما يمكن تسميته بحزمة تأهيل متكاملة، تشمل قوائم مالية مدققة، وإيضاحات مركزة عن آثار الحرب، ومذكرة إدارة توضح ما تم شطبه أو إصلاحه أو إعادة تقييمه، وقائمة معدات واقعية، وخطة تعبئة، وخطة تعافٍ تمتد من اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً، وملف إثبات للفقد والتلف، ومنظومة حوكمة ومخاطر تعزز الثقة لدى البنوك وأصحاب المشاريع والجهات الممولة.

ويتبين من ذلك أن معالجة آثار الحرب على شركات المقاولات في السودان يجب الا تقتصر على الجانب المحاسبي أو المالي الضيق، بل ينبغي أن تفهم ضمن إطار أوسع للتعافي المؤسسي الذي يربط بين إعادة هيكلة الميزانيات، ومعالجة الالتزامات، وتصميم سياسات ضريبية وتمويلية انتقالية.

نتحدث في الحلقة الثانية من المقال عن مستقبل الشركة من حيث اعداد الميزانية بحيث تكون الشركة مؤهله لانجاز مشاريع جديده و تكون مقبوله لدي موسسات التمويل للفوز بالتمويل المستقبلي.

يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى