
الذكرى الثالثة للحرب… ومؤتمر برلين
بقلم : إدريس هشابه
تأتي الذكرى الثالثة للحرب في السودان، وقد بدأت البلاد تخطو—برغم الجراح—خطواتٍ متأنية نحو التعافي من آثار تمردٍ ألقى بظلاله الثقيلة على الدولة والمجتمع. تمردٌ ارتبط بمليشيا آل دقلو، التي أشعلت شرارة المواجهة بإيعاز من دويلة الشر ، وخرجت على سلطة الدولة في مشهدٍ بدا واضحًا للعلن في الثالث عشر من أبريل 2023، حين سيطرت على مطار مروي، ورفضت الانصياع لتوجيهات القيادة بسحب قواتها من القاعدة العسكرية، بل وأقدمت على احتجاز عددٍ من العسكريين المصريين الذين كانوا ضمن مهمة تدريبٍ مشتركة مع القوات المسلحة، وفق بروتوكولاتٍ عسكريةٍ متعارفٍ عليها في مثل تلك الظروف.
تمر هذه الذكرى والسودان يرزح تحت وطأة حربٍ لم تقتصر آثارها على الميدان العسكري، بل امتدت لتطال تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين، بين نزوحٍ قسري، وتدهورٍ اقتصادي، ومعاناةٍ إنسانيةٍ تتفاقم مع مرور الوقت في مناطق الحرب. ومع ذلك، تلوح في الأفق بوادر صمودٍ وإرادةٍ وطنيةٍ تسعى إلى استعادة تماسك الدولة وبناء ما تهدم.
وفي خضم هذه اللحظة الدقيقة، ينعقد مؤتمرٌ في برلين تحت لافتة العمل الإنساني، غير أن المؤشرات—في نظر كثيرين—لا توحي بأن غايته تنحصر في دعم السودان بقدر ما تعكس محاولةً لفرض رؤى وشروط من أطرافٍ يُعتقد أنها كانت جزءًا من مشهد التخطيط للحرب أو دعمها، سواء كانت دولًا أو جماعاتٍ سياسية متحالفة مع المليشيا.
إن الطريق إلى وقف الحرب، في تقدير كثير من المراقبين، لا يبدو معقدًا بقدر ما هو مرهونٌ بإرادةٍ سياسيةٍ صادقة؛ تبدأ بوقف إمدادات السلاح والمرتزقة التي تتدفق إلى ساحة الصراع، بما يفتح الباب أمام تهدئةٍ حقيقية، تمهّد لحلٍ شاملٍ ينهي معاناة السودانيين.
ومن هنا، تبرز تساؤلاتٌ مشروعة: إذا كان الهدف من مؤتمر برلين إنسانيًا خالصًا، فلماذا الصمت عن جريمة حصار الفاشر؟ ولماذا لم تُفعّل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بفك الحصار؟ وأين كان هذا الدعم الإنساني حين كانت الملايين من السودانيين في المدن الآمنة يواجهون ظروفًا معيشيةً قاسية دون سندٍ يُذكر؟ بل أين امتد هذا الدعم إلى اللاجئين السودانيين في معسكرات دول الجوار، الذين يكابدون أوضاعًا إنسانيةً بالغة التعقيد؟
إن هذه التساؤلات لا تنبع من موقفٍ عدمي، بل من قراءةٍ لواقعٍ يفرض نفسه، ويجعل من الصعب التعويل على مخرجات مؤتمرٍ تحيط به الشكوك أكثر مما تكتنفه الآمال. فالبعض يرى فيه مجرد ساحةٍ لتبادل المصالح، أو “بازارًا سياسيًا” تُستخدم فيه معاناة الشعوب كأوراق تفاوض، وتُمنح فيه المساحات لمن وصفهم الشارع بـ“سياسيي الغفلة” الذين يتكسبون من مثل هذه المحافل.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي السودانيين، وعلى قدرتهم في التمييز بين ما يخدم قضيتهم الوطنية، وما يُراد به إعادة تشكيل المشهد بما لا يلبي تطلعاتهم. فالسودان، الذي صمد في وجه الأزمات، قادرٌ—بإرادته—على تجاوز هذه المرحلة، متى ما توفرت له الشروط العادلة لسلامٍ حقيقي، لا تُفرض فيه الأجندات، ولا تُختزل فيه المعاناة في بيانات المؤتمرات.