مقالات الرأي
أخر الأخبار

لمن يهمه الأمر بقلم :إدريس هشابه برحيل حمد بن خليفة… يغيب رجلٌ صنع لقطر مكانةً أكبر من جغرافيتها

لمن يهمه الأمر

بقلم :إدريس هشابه

برحيل حمد بن خليفة… يغيب رجلٌ صنع لقطر مكانةً أكبر من جغرافيتها

ليست كل الدول تُقاس بمساحتها، ولا كل القيادات تُقاس بعدد سنوات الحكم، فثمة رجال يتركون من الأثر ما يجعل حضورهم ممتدًا حتى بعد الرحيل. وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تفقد قطر قائدًا سابقًا فحسب، بل يودع العالم العربي والإسلامي أحد أبرز صناع التحولات السياسية والتنموية في المنطقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
حين تولى الشيخ حمد قيادة قطر عام 1995، كانت الدولة تمتلك مقومات اقتصادية واعدة، لكنها لم تكن تحتل الموقع الذي وصلت إليه لاحقًا في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. وبفضل رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تحولت قطر إلى لاعب مؤثر في الملفات الإقليمية والدولية، ورسخت مكانتها باعتبارها دولة قادرة على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية النشطة والعمل الإنساني.
لقد آمن بأن المكانة لا تُصنع بحجم الأرض، وإنما بحجم الرؤية. لذلك شهدت قطر في عهده نهضة اقتصادية غير مسبوقة، واستثمرت ثرواتها في بناء الإنسان، وتطوير البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والرياضة، والإعلام، حتى أصبحت نموذجًا تنمويًا يشار إليه في المنطقة والعالم.
وعلى الصعيد السياسي، انتهج سياسة الوساطة والحوار، فحضرت الدوحة في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة، واستضافت مبادرات للسلام وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاعات، إيمانًا بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار.
أما السودان، فقد احتل مكانة خاصة في اهتمام الأمير الراحل. ولم يقتصر الدور القطري على استضافة المفاوضات التي أفضت إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، بل امتد إلى تمويل مشروعات إعادة الإعمار والتنمية، وإنشاء القرى النموذجية، ودعم الخدمات الأساسية، في محاولة لترجمة السلام إلى واقع يلمسه المواطن السوداني. كما ظلت العلاقات السودانية القطرية خلال تلك المرحلة نموذجًا للتعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، وهو ما ترك أثرًا إيجابيًا في وجدان كثير من السودانيين.
ولم يتوقف حضوره عند حدود العالم العربي؛ فقد امتدت إسهاماته إلى دعم قضايا إنسانية وتنموية في مناطق مختلفة، وأسهمت قطر في عهده في جهود الإغاثة والتنمية في عدد من الدول، بما عزز صورتها الدولية بوصفها شريكًا في العمل الإنساني والدبلوماسي.
واليوم، يواصل الشيخ تميم بن حمد آل ثاني المسار الذي أرسى معالمه الأمير الوالد، محافظًا على ثوابت السياسة القطرية، ومطورًا أدواتها بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية، لتبقى قطر دولةً يتجاوز تأثيرها حدود مساحتها وإمكاناتها الجغرافية.
برحيل الشيخ حمد بن خليفة، تطوى صفحة قائد ترك بصمة واضحة في تاريخ قطر الحديث، وفي ذاكرة المنطقة. وستبقى إنجازاته، بما لها وما عليها، جزءًا من تاريخ سياسي لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن التحولات الكبرى في الخليج والعالم العربي خلال العقود الأخيرة.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا الصبر والسلوان، وجزى الفقيد خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وللقضايا العربية والإسلامية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى