وعي اللحظة | السودان… أزمة الإنسان قبل أزمة المكان

ليست كل الحروب تبدأ من فوهة بندقية، فبعضها يبدأ من فراغٍ طويل في التربية، ومن جيلٍ تعلّم كيف ينجح في الامتحان لكنه لم يتعلم كيف ينجح في الحياة.
السودان اليوم يقدم واحدة من أكبر المفارقات في عصرنا: وطنٌ أنجب العلماء والمفكرين وأصحاب الكفاءات، لكنه يواجه سلوكيات لا تليق بحجم هذا الإرث. كيف يجتمع العلم مع الفوضى؟ وكيف تجتمع الشهادات مع ضعف المسؤولية؟ وكيف يحمل الإنسان معرفة واسعة ثم يعجز عن احترام أبسط قواعد الإنسانية؟
الإجابة قد تكون في المساحة التي أهملناها طويلًا: المسافة بين التعليم والتربية.
لقد ركزنا على بناء العقل، ونسينا أحيانًا بناء الضمير. اهتممنا بما يحفظه الطالب، ولم نهتم بما يحمله في داخله من قيم. فصار بعض الناس يملكون لغة قوية بلا حكمة، ومعلومات كثيرة بلا وعي، وقدرة على التأثير بلا إحساس بخطورة التأثير.
الأزمة السودانية لم تكشف فقط خلافات سياسية أو صراعات مصالح، بل كشفت أزمة أعمق: أزمة في مفهوم الإنسان نفسه. فالوطن لا يحميه المتعلمون فقط، بل يحميه الذين تربوا على أن الدماء ليست أرقامًا، وأن الاختلاف ليس عداوة، وأن السلطة ليست امتلاكًا للآخرين.
التربية هي التي تمنع الإنسان من استغلال علمه ضد مجتمعه، وهي التي تجعل صاحب القوة رحيمًا، وصاحب الرأي متواضعًا، وصاحب المكانة مسؤولًا.
نحن لا نحتاج بعد هذه التجربة إلى إعادة بناء الحجر فقط، بل إلى إعادة بناء الإنسان. فالجدران يمكن أن تُرفع من جديد، لكن انهيار القيم أخطر من انهيار المباني.
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم جامعة لدينا؟ ولا كم شهادة نمنح؟ بل: أي إنسان نصنع؟
فالأمم لا تسقط عندما يقل المتعلمون فقط، بل عندما يفقد المتعلمون معنى العلم.
وهنا تبدأ نهضة السودان… من إعادة الصلة بين المعرفة والضمير، بين التعليم والتربية، بين الإنسان الذي يعرف والإنسان الذي يستحق أن يحمل ما يعرف.
…….ابو يامن …..
