مقالات الرأي
أخر الأخبار

لمن يهمه الأمر حوار البرهان.. هل تكون هذه بداية الخروج من الأزمة؟ بقلم: إدريس هشابه

لمن يهمه الأمر

حوار البرهان.. هل تكون هذه بداية الخروج من الأزمة؟

بقلم: إدريس هشابه

تبدو تصريحات رئيس مجلس السيادة بشأن إطلاق حوار سوداني شامل خطوة إيجابية ومطلوبة، ليس لأن السودان يفتقر إلى المبادرات والحوارات، وإنما لأن البلاد اليوم تحتاج إلى حوار مختلف؛ حوار لا يستهلكه الجدل السياسي ولا ينتهي إلى بيانات إنشائية ووعود مؤجلة، وإنما يقود إلى حلول حقيقية تضع حداً للأزمة وتفتح الطريق أمام السودان لاستعادة عافيته.

فالسودان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد يحتمل المزيد من المناورات السياسية ولا إعادة إنتاج التجارب السابقة التي أثبتت أنها عاجزة عن الوصول إلى اتفاق يضع مصلحة الوطن فوق مصالح القوى والأحزاب والمجموعات.

ولذلك فإن الحديث عن حوار سوداني شامل يجب ألا يكون مجرد دعوة سياسية عابرة، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني تتحدد فيه الأهداف والأجندة والآليات والنتائج المتوقعة، وأن يكون المواطن السوداني هو محور هذا الحوار وغاياته.

الحوار المطلوب اليوم يجب أن ينطلق من حقيقة أن السودان دولة واحدة، وأن وحدة ترابه وشعبه ومؤسساته ليست موضوعاً للمساومة. كما ينبغي أن يضع في مقدمة أولوياته وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة الخدمات الأساسية التي فقدها المواطنون.

لكن نجاح أي حوار لن يكون ممكناً إذا ظل حبيس القاعات السياسية، بعيداً عن الواقع الذي يعيشه المواطن في المدن والقرى ومناطق النزوح. فالمواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه، والذي يعاني من ارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات، لا تعنيه كثيراً البيانات السياسية بقدر ما تعنيه عودة الأمن والاستقرار وفتح المدارس والمستشفيات والأسواق والطرق.

ومن هنا فإن الحوار الحقيقي ينبغي أن يضع ملف الاقتصاد في صدارة اهتماماته، لأن إعادة بناء السودان لن تتم بالشعارات وحدها. فالبلاد تحتاج إلى خطة واضحة لإعادة الإعمار، وإلى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، والاستفادة من مواردها الزراعية والمعدنية والحيوانية، إلى جانب استقطاب رؤوس الأموال السودانية في الخارج، وتشجيع السودانيين على العودة والمساهمة في بناء وطنهم.

كما أن للسودانيين في الخارج دوراً مهماً في هذه المرحلة، ليس فقط من خلال تحويلاتهم المالية، وإنما بما يمتلكونه من خبرات وتجارب وعلاقات يمكن أن تسهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات.

ومن القضايا التي ينبغي ألا يغفلها الحوار أيضاً مسألة بناء دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وإصلاح أجهزة الدولة، ومعالجة أسباب الأزمات التي قادت البلاد إلى هذه الحرب، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
ولايعني الحوار باي حال من الأحوال تجاهل ماحدث خلال الحرب أو القفز فَوق الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين والعسكريين والمعاشيين. فالعدالة والمحاسبة وحفظ حقوق الضحايا يجب أن تكون جزءا أساسيا من اي عملية سياسية جاده لان السلام الحقيقي لايقوم على تجاهل الجراح وإنما معالجتها بما يحقق العدالة ويمنع تكرارها.
وفي المقابل فان الحوار يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف والى قدر من التنازل عن الحسابات الخزبية والشخصية، لأن المرحلة التي يمر بها السودان أكبر من ان تختزل في صراع بين النخب.
كما أن مشاركة القوى السياسية والمجتمعية وأصحاب المصلحة ينبغي أن تكون على اساس واضح، بحيث لايتحول الحوار الي منصة لإعادة إنتاج الأجسام القديمة، ولا إلى فرصة لمن لم يقدموا شيئا للسودان سوى إطالة أمد الحرب.
ولعل اهم مايميز اي حوار ناجح هو ان تكون له مخرجات قابلة للتنفيذ، وجدول زمني واضح، وآليات للمتابعة والمحاسبة،. فقد عانى السودانيون طويلا من الاتفاقيات التي إمتلأت بالنصوص الجميلة، لكنها بقيت حبرا على ورق.
السودان اليوم امام فرصة تاريخية وربما تكون الدعوة إلى الحوار بداية حقيقية للخروج من الأزمة إذا احسن الجميع التعامل معها، فالبلاد تمتلك من الموارد والكوادر والخبرات مايؤهلها للنهوض من جديد، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إرادة وطنية تتجاوز الخلافات وتضع مصلحة السودان فوق كل إعتبار.
إن الحوار الذي يحتاجه السودان ليس حوارا لإدارة الأزمة وإنما لانهائها، وليس حوارا لتقاسم السلطة، وإنما حوارا لبناء الدولة، وليس حوارا بين النخب وحدها وإنما حوارا يسمع صوت المواطن الذي دفع ثمن الحرب من امنه وماله ومستقبله.
فهل تكون دعوة رئيس مجلس السيادة بداية لهذا الطريق؟
الإجابة لن تحددها التصريحات، وإنما ما سيأتي بعدها من خطوات عملية، ومدى جدية الأطراف في تحويل الدعوة إلى مشروع وطني جامع.
السودان لايحتاج لحوار من أجل الحوار؛ السودان يحتاج إلى حوار يفتح الطريق إلى المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى